السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
كلمة حول الرؤية 23
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
- قال : - قلت : تأكيد النفي الذي تعطيه « لا » ، وذلك أنّ « لا » تنفي المستقبل ، تقول : لا أفعل غدا ، فإذا أكّدت نفيها قلت : لن أفعل غدا ، والمعنى أنّ فعله ينافي حالي ، كقوله : « لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ » « 1 » . فقوله : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » « 2 » نفي للرؤية فيما يستقبل و « لَنْ تَرانِي » تأكيد وبيان ؛ لأنّ المنفيّ مناف لصفاته تعالى . - قال : - فإن قلت : كيف اتّصل الاستدراك في قوله : « وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ » بما قبله ؟ - قال : - قلت : اتّصل به على معنى أنّ النظر إليّ محال فلا تطلبه ، ولكن عليك بنظر آخر ، وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك ، وبمن طلبت الرؤية لأجلهم ، كيف أفعل به وكيف أجعله دكّا لسبب طلبك الرؤية ؟ لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره ، كأنّه عزّ وعلا حقّق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله : « وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً » « 3 » . « فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ » كما كان مستقرّا ثابتا ذاهبا في جهاته « فَسَوْفَ تَرانِي » تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكّه دكّا ، ويسوّيه بالأرض ، وهذا كلام مدمج بعضه في بعض ، وارد في أسلوب عجيب ، ونمط بديع ، ألا ترى كيف تخلّص من النظر إليه إلى النظر إلى الجبل بكلمة الاستدراك ؟ ثمّ كيف بنى الوعيد بالرجفة الكائنة بسبب طلب النظر إليه على الشريطة في وجود الرؤية أعني قوله : « فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي » ؟ « فلمّا تجلّى ربّه للجبل » فلمّا ظهر له اقتداره ، وتصدّى له أمره وإرادته « جَعَلَهُ دَكًّا » أي مدكوكا ، مصدر بمعنى مفعول ، كضرب الأمير . والدكّ والدقّ أخوان . . . « وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً » من هول ما رأى ، وصعق من باب فعلته ففعل ، يقال : صعقته ، وأصله من الصاعقة ويقال لها : الصاعقة من صعقه : إذا علا رأسه ، ومعناه خرّ مغشيّا عليه غشية كالموت . . .
--> ( 1 ) - . الحجّ 73 : 22 . ( 2 ) - . الأنعام 103 : 6 . ( 3 ) - . مريم 90 : 19 - 91 .